عربي العنداري: لم نكن بديلاً جدياً

يارا نحلة – المدن

في 22 تموز 2015، بدأت تحركات ما سيعرف لاحقاً بـ”الحراك المدني”، على خلفية أزمة النفايات. أقله، في السنوات الخمس الماضية، كان الحراك التجربة الأكثر تعبيراً عن سعي فئات متعددة من اللبنانيين إلى إحداث تغيير ما، وإن لم تكن خاتمته، وما وصل إليه أو أنتجه، واضحة أو جذرية. كان تجريباً ضرورياً، في كل الأحوال. خلال الأيام المقبلة، تستعيد “المدن” الحراك في سلسلة مقابلات مع أبرز فاعليه. وفي ما يلي مقابلة مع عضو المكتب السياسي في “الحزب الشيوعي” عربي العنداري .

يرفض العنداري الحديث عن الحراك كحادثة منفصلة عن مسار نضالي أوسع نشأت بذوره قبل ست سنوات في حراك “إسقاط النظام”، وإستمرّ من خلال تحركات أصغر حجماً مثل “لا للتمديد” و”هيئة التنسيق النقابية”. وهو يرى في هذه العناوين المختلفة مظلة جامعة، هي نقمة الناس وإستياؤهم من واقع الأمور. ورغم أن معظم الناس لا يمتلكون الحلول المؤطرة أو المثابرة التي تقيهم اليأس، فإن جزءاً آخر من المواطنين مثابر، وهو يصيب أحياناً ويخطئ أحياناً أخرى. عليه فإن هذا المسار النضالي، يقوى ويخفت في ظروف معينة، والحراك الشعبي ليس سوى محطة من محطاته.

لكن الظروف التي سمحت بخلق هذا الزخم للحراك، غير المعهود في ما سبقه من تحركات، هو “ظهور أزمة لا تدبير لها”، وفق العندراي. فالأزمات الأخرى في البلد، والتي قد لا تقلّ جديةً، كالكهرباء والمياه، يجد المواطنون طريقة للإلتفاف عليها بخلق حلول عملية تعوّض تقصير الدولة. لكنّ في ما يخصّ أزمة النفايات، “لم يكن هناك أي متنفس، نظراً لإستحالة معالجتها على المستوى الشعبي. مّا استفزّ الناس ودفعهم إلى النزول إلى الشارع، خصوصاً أنهم قادرون على رؤية عوارض هذه الأزمة بشكلٍ محسوس من خلال النفايات المنتشرة في الشوارع”.

مظلّة التناقضات
ونتيجة أزمة من هذا النوع وبهذا الحجم، نشأت مبادرات عديدة لمواجهتها، أضيفت إلى المجموعات السياسية والمدنية الناشطة منذ فترة طويلة. ويشير العنداري إلى أن “إختلاف هذه المجموعات في ما بينها من حيث الأيديولوجيا والخطاب والأهداف أدى إلى بروز التناقضات، لاسيّما في ما يتعلّق بالهدف المرجو من الحراك. إذ فضلّ البعض التركيز على أزمة النفايات، فيما رأى آخرون في الأزمة فرصة لحمل شعارات ومطالب أعرض، وصلت إلى حدّ المطالبة بإسقاط النظام”.

إستنفار السلطة وأجهزتها الأمنية في 22 آب 2015، وحصول الحراك على تأييد شعبي تجلّى في أعداد مرتفعة من المتظاهرين، وضعا مسؤولية كبيرة على عاتق المجموعات الناشطة، ما دفعها إلى التضامن. إلا أن هذا التضامن بدأ يتضعضع نتيجة التناقض في الشعارات المرفوعة، والذي أدى إلى إنقسامٍ في صفوف الحراك. لكن، ورغم ذلك، “إتجهنا نحو خلق حالة تستوعب كل هذه التناقضات، وتمّت عندها الدعوة إلى تحرّك 29 آب، الذي كان بمثابة بذور طاولة التنسيق، وأصدرنا ورقة مبادئ مشتركة”.

غير أن محاولة إيجاد قواعد مشتركة، مع محافظة كلّ مجموعة على هامش من الحرية، كانت تواجهها عقبات من حيث ضعف التنسيق والخلاف على شعارات كـ”كلّن يعني كلّن”، وعلى مبادئ محددة كالعنف والسلمية. وقد ساهم الإعلام، وفق العندراي، “بتعزيز هذه الخلافات وتسليط الضوء عليها، وقد قامت كل وسيلة إعلامية بتبني مجموعة دون أخرى ونسب التحركات إليها. ما رفع مستوى المنافسة بين المجموعات. كما أن تعاطي الإعلام مع الحراك على أنه هاشتاغات خفّف من أهمية التنسيق والمظلّة الجامعة”.

ويرى العنداري أن الحراك أخذ مساراً إنحدارياً منذ قيام مجموعة “طلعت ريحتكم” بالتغيّب عن اجتماع تنسيقي بهدف اقتحام وزارة البيئة بشكلٍ منفرد. ما أجّج من حدّة الخلافات الداخلية. لكن الحراك استمر مع ذلك، بسبب “امتداد أزمة النفايات ومواصلة الحكومة في التخبيص. لكنّنا كنّا، على المستوى الداخلي، عاجزين عن التنظيم أو تخطّي الخلافات”.

خسارة التأييد الشعبي
هكذا، بدأ يتكوّن لدى الناس إنطباع أن المجموعات تتسابق فيما بينها. ما إنعكس سلباً على التأييد الشعبي. وتنقسم أسباب تراجع زخم الحراك، وفق العنداري، إلى “ظروف خارجية تمثّلت بإزالة النفايات من الشوارع. وأخرى داخلية، مرتبطة بالضعف التنظيمي، وبعدم إثبات أنفسنا كبديل جدّي”. والتحدّي الحقيقي أمام مجموعات الحراك للفوز بتأييد وثقة الناس كان يتمثل في إحرازها أي إنجاز فعلي، بينما الإنجازات التي حققها الحراك، كما يصفها العنداري، كانت “عينية وصغيرة، وهي بالتالي غير كافية”.

وحل الأزمات التي نشأت في الحراك، عند العنداري، يرتبط بـ”ايجاد طريقة لتوحيد الجهود بهدف تأسيس ميزان قوى قادر على مواجهة ميزان السلطة السياسية. ولبلوغ ذلك علينا التمتّع بالتواضع والنضج”. لكن الحراك، في مساره الأوسع، لم ينته، وفق العنداري، الذي يرى أثراً للحراك في إحراج الدولة من أجل اجراء الانتخابات البلدية. وبرز تأثير الحراك في الانتخابات البلدية نفسها من خلال “تجرؤ المواطنين في كثير من المناطق على قول كلمة كلا، وتشكيل لوائح انتخابية تتحدّى لوائح السلطة”.

الانتخابات النيابية
أما المعركة المقبلة بالنسبة لناشطي الحراك، فهي الانتخابات النيابية والمطالبة بقانون انتخابي جديد. ويبشّر العنداري بوجود توجّه من أجل “مدّ جسور بين القوى، وهو أمر يدعو إلى التفاؤل”. لكن التحرك بزخم سيكون أصعب، وذلك بسبب غياب الظروف المحفّزة التي أنتجتها أزمة النفايات. “وعليه، يتمثّل التحدّي بخلق وإفتعال هذا الزخم”.

لكن تجربة الحراك التي إمتدّت أشهراً عدة، تفرض على المجموعات اجراء تقييم لأدائها ونقداً ذاتياً، لتفادي الإخفاقات التي راح الحراك ضحيتها. ومن هذه الإخفاقات، التي يؤمن العنداري بضرورة تفاديها في التحركات المستقبلية، “توجيه الإتهامات إلى سياسيين معينين، وشخصنة الصراع وإختزاله بأفراد بدلاً من تصويبه على النظام ككلّ. وذلك بسبب عدم جهوزية المواطنين بعد للإنسلاخ الكامل عن الزعماء”.

Trả lời

Thư điện tử của bạn sẽ không được hiển thị công khai. Các trường bắt buộc được đánh dấu *